الرئيسية / مقالات / الهجرة واللجوء شرقا وغربا…خواطر شخصية ومشاهدات ذاتية
من اليسار/ ملهم الملائكة- محمد المطرود- صابرين كاظم- أمير علي حيدر- قاسم المرشدي- كريم بدر

الهجرة واللجوء شرقا وغربا…خواطر شخصية ومشاهدات ذاتية

مهاجرون ولاجئون سابقون من العراق وسوريا إلى إيران والسعودية والغرب
الهجرة واللجوء شرقا وغربا…خواطر شخصية ومشاهدات ذاتية
باتت هجرات الناس علامة فارقة لا تفارق العولمة، ربما لأن العولمة مرحلة تصاغ فيها المجتمعات كما صيغت في عصور ظهور الأديان وفي عصور تشكُّل الأمم وفي عصور الهجرات الكبرى التي غيرت العالم. فمنهم من هاجر شرقا بحثا عن وطن قريب، ومنهم من عبر البحار غربا بحثا عن وطن صعب. ملهم الملائكة يسرد لموقع قنطرة خواطر شخصية ومشاهدات ذاتية بألسنة أصحابها.
هجرات القرن الحادي والعشرين، باختلاف أسبابها، اتجهت غربا، حيث العلمانية والمجتمعات الديمقراطية التي تعيش قيم الليبرالية لأمم فصلت واعيةً بين الدين والسياسة، فاستقرت سياساتها، وانصرف الجميع إلى البناء والإعمار وبناء الذات. أما هجرات القرن العشرين فتنوعت مساراتها، بحسب تنوع الأهداف. المشرق العربي شهد هجرات نحو تركيا والمملكة العربية السعودية وإيران، وقبلها كانت الأردن ولبنان ومصر والعراق وسوريا هدفا لهجرات الفلسطينيين السياسية بحثا عن ملاذ آمن.
في هذا المقال يتحدث 5 مهاجرين أجبرتهم ظروف السياسة في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين على الهجرات، فجاءت أقوالهم هنا شهادات صادقة عن تجارب اللجوء باختلاف الظروف واختلاف الأزمنة واختلاف دول اللجوء.

الشاعر والكاتب والناقد محمد المطرود – هاجر من سوريا إلى ألمانيا عام 2013
كلُّ تجربة تنطوي على مغامرة، وكل مغامرة هي نحتٌ في الصعوبة، والكتابة خارج هذا وحش أدرد، في غياب الحرية تستحيل الحياة، أو تكون ناقصة وأشبه بالوظيفة وشتان بين ما هو علاقة تفاعل وندية مع الأشياء تأثيرا وتأثراً وبين ما يؤدّى على أنّه فرضٌ واجب، تقتضيه مصلحة ما.
شخصياً تخلصت من الآخر/ الحسيب نحو فضاء الآخر المتلقي بفضل الاغتراب، وكذلك استطعت بفعل القراءة للمكان الجديد الذي أنا فيه أن أتخلص إلى حد من المقابلات: مقابلة طرف هش غادرته إلى طرف أكثر صلابة له نظامه وقوانينه ومنظومته الإنسانية التي حولّت (النظام) إلى ثقافة وسلوك يومي، وهو ما أكسبَ نصي جسارة جديدة من خلال خياراته التقنية وكذلك مواضيعه المنافسة لأدب كنا نقرأه على أنّه أدبٌ يصنعهُ معلمون كبار، حالة التقزيم التي كنا فيها جعلتنا ننظر إلى كل مختلف عنا على أنه أكبر وأهم. أما بفعل القرب الذي نحن فيه اليوم وفرض علينا فرضاً فقد صرنا ندفع عن أنفسنا بالتي هي أحسن، وننظر إلى ذواتنا كمنتجين لا كمتلقين فقط وكذلك معلمين وصانعي نصوص سنقرأها ويقرأها الآخر الذي نحن بين ظهرانيه الآن، نصوص أعتقد أنها لها الجَلَد الكافي على الحضور والاستمرار.
محطة أوروبية جديدة في حياتك، ماذا ترى فيها؟
على ضوء هذا الاختراق للمكان الجديد بكل طبقاته الكتيمة من اللغة إلى العادات إلى الانضباط الذي لم أعتده في بلداننا أجدني أتمتعُ بالقدرة على تطويع أسئلتي الوجودية المرتبطة بالحياة أساساً لصالح حياتي الجديدة كما لو أني أخوض تحدياً للمداومة والاستمرار، وبالتأكيد هذا نابع من شعور تكوّنَ بفعل مظلوميات سابقة كان ديدنها غياب الحرية، واليوم في توفر هذا الشرط يعني أن إمكانية البقاء -ككاتب جيد وفي المحصلة كإنسان صالح- ممكنة أكثر من أي وقت مضى.

وأخيراً للاغتراب أوروبياً وجهان: جميل لتمثلّه قيم الحرية والعدالة، وقبيح ينطوي على الصرامة والبيروقراطية المتمثلة في تهميش الروح لصالح العمل والآلة!.

الصحفية والإعلامية والشاعرة صابرين كاظم – لاجئة من العراق إلى الولايات المتحدة الأمريكية
إذاً بعد 12 سنة من التغيير قررتِ فجأت اللجوء؟
بعض ما يجري في حياتنا هو ليس نحن،  في بلاد منهوبة وجدتُ نفسي في بغداد أدور بين أزقتها، أصاب بالطفح الجلدي من حرارة الشمس و بالخذلان يتقرح قلبي، و كأي نخيل يُجرف دون هوادة، مثله النساء اللائي ﻻ يرتدين لباس الحمقاوات.  ﻻ إجابات حاسمة لديّ على حياتي،  لدي قصص و إحتمالات. قد يكون هو يوم جديد يريد أن يبدأ؟ قد تكون هي سنوات خلت حان وقت حصادها، أو ربما هي لعبة المصائر و الأقدار التي سبحت طويلا خارج مقدراتها، كيف حصل هذا وأنا كان مقدرا  لي أن أتزوج مبكرا ابن عمي،  ربة بيت مضطهدة ﻻ تعرف سوى أن تندب وتبكي تحت رحمة الجلد. صرتُ و ولدتُ من نفسي، طفتُ بلا رحم عشيرة أو وصاية، وخرجت من المصائر المؤبدة، تلاحقني حتى الآن، علها تضع لي حدا لأعود البنت البارة المرتجفة.
أقول لك الآن أنظر من بعيد للظلمة و النفق المرعب والضوء في نهايته، أنا أرقص على المنبر الأسود وهذا الرقص يعني أنه دمي، دمي عاجلا أم آجلا ، و في هذه المواجهة الحقيقية غير المتكافئة، حلمتُ بجناح، بفضاء آخر فحسب. إلى أي ينتمي و أين يكون، بساط الريح حكايتنا الأسطورية، الذي سأعتليه وأحلق به بعيدا لفضاء آخر، لغة أخرى، لنفسي، إذ أريد اكتشافها لأ طمرها تحت أغلال الخوف و الهرب و القصاص. حلمتُ ألا أكون جنديا، أن أتوقف عن القتال، أن أخرج من الجبهة التي جعلتني أصارع و أُمتهن، أنجو من تلك الفخاخ المهلكة دون رحمة و ﻻ أسى. أحمل معي يوميا عشرات اللحظات من الفزع و الهلع، أرتجف إن سقطت في المطبخ سكين، أو دخلت حجرتي قطة، يخفق قلبي، وأوردتي تقترب من الانفجار، بعد هذا آخذ وقتا كافيا للعودة الى الماضي من هذا المقعد المؤقت، أتذكره بشدة، كل شيء يعود إليّ مجددا، الصراخ، أصوات الانفجارات، ملاحقة الميليشيات، ضغائن و أحقاد مرضى كثر، فشلي الذريع بالوصول الى السعادة، الليالي التي ﻻ أنام بها، يعود كل شيء مكثفا و حارسا مثاليا يبعدني عن السكينة، لأنتشل ما حصل لامرأة عاشت ببغداد أسيرة و مشاكسة، مسحوقة و منتصرة، كئيبة و تخفق بالسعادة ، كلّ ذلك أتوقف عنده ، أحاول أن أرممه، أستغرب كثيرا من جسدي، كان له إزاء ذلك أن يتلاشي، كيف أحتمل أن يبقى، و يُبقي عليّ معه.

لماذا أمريكا وكل العراقيين وجهتهم أوروبا؟
قرعت الأجراس داخلي، لم أكن أصغي لأصوات النهاية، حملت أشيائي في حقيبتي، ودعت حجرتي،  لم أفعل مع أي آخر.  قلتُ أنه قد يكون هذه المرة على غير سابقه سفرا طويلا، حمـلت لي الأخبار أن الأشداء بالثياب السود حانقون عليّ، و أن ما حدث لم يكن إحدى الحوادث العديدة لي معهم. الوداع حصل هنا، من وﻻية إلى وﻻية أميركية أخرى أتنقل وأغني مع الشجن العراقي، أسلي نفسي، و تارة أبكي معها، و أخرى أبحث عن بيت. هل هذا حقيقة؟ أم أنه فيلم متقن الصنع قرر مخرجه أن يغير الأحداث؟ و بعد تدفق سنوات من الفرح المرير في تلك الأزقة العتيقة والأيام المرعبة الحميمة. فتاة على عتبة الثلاثين وجهها لامرأة مسنة، وروحها تتمسك بالأحلام عليها أن تمضي هذا ما أقوله و أكرره لنفسي، لصابرين، عبر المرآة أحيانا حين أضيّع كل شيء آخر وﻻ أعود أتعرف علي، لكن هذا ليس جديدا فسابقا في بغداد لم يكن لي وقت، مشغولة بالانهزام و بالمراوغة و الثبات واليأس.

هل تعتبرين الهجرة محطة ستعودين منها، أم وطن النهاية؟
سأكون بلادا، معي حريتي و جسدي الصلب ﻻ خائرة القوى، أظن دائما أن أسمي الآخر بغداد، المدينة، و كلتانا في المحنة السوداء، في القيامة العصيبة منذ ثلاثة عشر عاما و قبلها بعقود، نقف ﻻ نقع، لو أنني كنتُ ﻻ أؤمن بهذه المدينة وقوتها الساحرة، لتوقفت ولسقطت قبل سنين، من مثلها شغفي وحبوري ونجاتي، سأكون بلادا مبتهجة مقدَّراً  لها أن تغني دون شجن.

أمير علي حيدر – كاتب عراقي لجأ إلى إيران في تسعينيات القرن العشرين
في 29 آذار/ مارس1991 عبرت الحدود من العراق -الذي لم يكن قط بلدا يحبني- إلى إيران التي لم أفكر قط في أن أحبها وأتخذها سكنا. عبرت الحدود دون جواز سفر.
كل ما عندي نزعته على الحدود، وكانت غرفة جندي صغير في فوج يحمل اسم موسى الكاظم على قمة جبل مقابلة لقمة جبل عراقية تطل على حوض بنجوين أول مأوى ألوذ به. الغرفة المبنية في حضن جبل لها جدار موشح بصورة لرجل إيران الجديد (آنذاك) الخامنئي. بقيت طيلة الليلة الأولى أتأمل شكل المعمم بابتسامته الغامضة والذي سوف أستظل بسلطته لزمن قادم لا أدري حتى متى يستمر.
أول تجربة لي مع الابتسامة الغامضة الإيرانية كانت مع رجل اسمه محمد كاظمي مسؤول مكتب الأمن (اطلاعات مريوان) في مركز التدريب العسكري  بمدينة مريوان. دخل الرجل إلى المركز الذي جمع فيه نحو 500 عراقيا لجأوا إلى إيران في تلك الأيام وهو يقود سيارة تويوتا مسروقة من الكويت، استخدمها الجيش العراقي ووصلت بطريقة ما إلى الرجل الإيراني الغامض. ونجح بابتسامته المعلّقة فوق لحيته الغامضة في إقناع جمع الثائرين على صدام الهاربين إلى إيران في أن يسلموا كل ما عندهم قبل نقلهم إلى مركز إيواء اللاجئين في مدينة كرج جنوب طهران العاصمة.
تعلمت الدرس المر من الكاظمي الملتحي الباسم، لا تصدق أبدا ما يقوله أي موظف حكومي إيراني، فهو يقول ما لا يعني، ويبتسم حين يكشر عن أنيابه، ويعبس حين يمعن التفكير. وإذا منحك شيئا فهو مقدمة لكارثة ستصيبك، ويريد أن يبرّئ ضميره منها مقدما.
رست بي سفينة اللجوء ممزقة الأشرعة إلى مخيم إبراهيم آباد الواقع شمال مدينة آراك وسط إيران. معي في المخيم  نحو 300 عائلة من مختلف عشائر جنوب العراق، هربوا وأسرهم من بطش قوات الحرس الجمهوري التي هاجمت مدن الجنوب المنتفضة.

الرزق ضيق، والعراقي ممنوع من كل شيء
لا يحق للاجئ في إيران العمل المحترم لأنه ينافس الإيرانيين في رزقهم الضيق، ولا يحق له الاختلاط بالمجتمع الإيراني، ولا يجوز له الدراسة في الجامعات والمعاهد الإيرانية ولا يحق لأبنائه الدراسة في المدراس الإيرانية. والأغرب لا يحق له الزواج من امرأة إيرانية والعكس صحيح.
هربت من المخيم، لأعيش مشردا لا أحمل مستمسكا قانونيا في أروقة مدينة قم باحثا عن عمل لن أجده سوى في المؤسسة الدينية. كعراقي أمامك طريقان، إما تكون جزءا من أحزاب المعارضة الشيعية العراقية (حزب الدعوة، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية “بدر” ، منظمة العمل الإسلامي)  وإما أن تعمل في المؤسسات الدينية العراقية وهي بالعشرات تنتشر في مدينة قم حصرا وترتبط بالمرجعيات الشيعية النجفية والكربلائية.
القلة التي تخرج عن هذين الخيارين تعمل مع مكاتب المخابرات الإيرانية الكبرى الأربعة المعروفة آنذاك وهي: قراركاه رمضان، قراركاه الحمزة سيد الشهداء، وقراركاه خاتم الأنبياء، وقراركاه عاشورا.

زنزانات الصمت أو ثكنات السباه!
كان بعض العراقيين يختفون فجأة دون أثر، وعرفنا لاحقا أنهم أما يُجندون لصالح أجهزة الأمن بحسب مستويات ولائهم (ولا يُنظر بجدية إلى كفاءاتهم، فالولاء لخط ولاية الفقيه فوق كل شيء)، أو يُعتقلون في سجن ايفين أو في الستاد المشترك (مقر العمليات المشتركة) بِتُهَم مختلفة أقلها التجسس على النظام! ويسجنون في زنازين منفردة يقضون فيها شهورا طوالاً، ويستبعدون بعدها إلى العراق ليواجهوا مصيرا مجهولا. ثم عرفنا بأن أسلوب التعذيب المتّبع والذي لا يترك أثرا هو الصمت، زنزانة الصمت حيث لا يجوز للمعتقل أن يفتح فمه، فتذوي أوتار حنجرته ولا يعود قادرا على الكلام. وهناك من تحدث عن معتقلين منذ 20 سنة في زنزانات الصمت لم يعودوا يدركون الفرق بين السنين والفصول ولا يعرفون كم بلغوا من العمر.
في هذه العجالة كيف لي أن أوجز قصة 13 عاما من الخوف والحزن والبكاء والعويل على من قتلوا قبل 1400 عام دون أن يحق لي البكاء على ما جرى لي. كنت أرى أبناء العراقيين يفقدون الأمل فيتطوعون للعمل كمقاتلين في صفوف السباه أو الباسدران ليقاتلوا في أراضٍ بعيدة دفاعا عن عقيدة غامضة ترتبط بالابتسامات العالقة فوق لحى المعممين.
اكتشفت خلال كل سنين العذاب أكذوبة “الإيرانيون يحبون شيعة العراق” بالعكس، فهم يرون أنّ فارس هي أرض التشيع، ويرون شيعة العرب بمجملهم غير متدينين وكذّابين ومنافقين، وإذا خضت مع أحدهم نقاشا وأفحمته بأن النجف هي أرض التشيع والنجف عراقية يقول لك، ولكن النجف (الكوفة) هي من غدرت بالإمام علي وقتلته، وأهل الكوفة هم من عاهدوا الإمام الحسين وغدروا به فقتله الجيش الأموي.
كل إيران كانت سجنا يعتقل العراقيين الذين خُيروا بين الولاء للجمهورية الإسلامية وخط الولاية وما حولها من أحزاب المعارضة العراقية، وبين العيش مهمشين على دخل شهري لا يتجاوز 60 دولارا في الشهر!! وبين التهديد بإعادتهم إلى نظام صدام حسين الذي كان سيفتك بهم بالتأكيد.
أما سؤالك ماهي أجمل لحظة لي في إيران فجوابي هو: لحظة مشهد الهجوم على برجي التجارة العالميين في نيويورك وعلى مبنى البنتاغون في 11 سبتمبر2001، حيث شعرت من لغة الإعلام الإيراني والعراقي آنذاك أنّ لهما يداً طولى فيما جرى، وكنت متيقنا أنّ ساعة إسقاط نظام صدام والنظام الإسلامي في إيران قد أزفت بعد أن انتهت مرحلة سياسة الاحتواء المتفق عليها. لذا فإن عمليات تحرير العراق عام 2003 لم تكن مفاجئة، وإسقاط نظام صدام حسين هو الذي فتح أبواب السجن الإيراني مترامي الأطراف فعاد عشرات ألوف العراقيين  إلى الحرية، وأفلت مئات ألوف الأفغان إلى العالم الأوسع. ما تبقى هو لحظة إسقاط نظام إيران، متى تحين؟

قاسم المرشدي – إعلامي عراقي لجأ إلى إيران في تسعينيات القرن العشرين
لا تخلو تجربة الهجرة لدولة ذات تاريخ وحضارة من فائدة، وإيران فتحت أبوابها للعراقيين الهاربين من نظام صدام حسين دون شروط، أو طلب فيزا، وفي نفس الوقت إيران لم تسمح للعراقي بحق العمل القانوني والدراسة أو التملك والزواج والارتباط القانوني بمواطنة إيرانية ولهذا وجدنا آلاف العراقيين الذين هاجروا لإيران بعد أن مسهم ضر نظام صدام حسين يفكرون بالهجرة منها بحثا عن مستقبل واضح وآمن لأبنائهم الذين حرموا من التعليم والدراسة باللغة العربية، ففي إيران لا توجد مدرسة ابتدائية مرتبطة بالنظام التعليمي بعهد صدام حسين أو بعهد من جاءت بهم أمريكا للسلطة عام 2003 وأغلبهم كان يُقيم في إيران. وبالتالي لا يمكن لإيران أن تكون بلدا بديلا للوطن الطارد وهنا الحديث عن العراق.

كريم بدر – إعلامي وكاتب عراقي لجأ إلى السعودية في تسعينيات القرن العشرين
100 ألف سجين/لاجئ في الصحراء لمدة 13 عاما !
كريم بدر هاجر منذ آذار/ مارس1991 إلى المملكة العربية السعودية هاربا من وطنه العراق الذي طارده وأسرته حتى الموت، وتردد كثيرا وهو يحدثنا عن سنوات الصحراء كما أسماها.
“في البداية لابد من القول إني لم أذهب مختارا إلى السعودية، بل مجبرا تحت حراب وبنادق الحرس الجمهوري العراقي الذي طاردنا حتى حدود السعودية، فدخلنا إليها، وكان وجودنا منذ اليوم الأول هناك وجود أسرى وليس مهاجرين، فقد ألقي بنا في وادٍ سحيق بعمق الصحراء في خيام بمخيم مسور بأسلاك شائكة وبأبراج الحراسة التي ترابط عندها دبابات سعودية. قريبا من مدينة رفحة الصحراوية، وقد بقيت 4 سنوات، وبقي البعض 17 سنة. بقينا هناك بعنوان لاجئين، وفي السعودية لا يوجد لاجئون ولا قوانين تحمي من يحملون هذه الصفة. كنا في مواجهات مستمرة مع الجندي السعودي، الذي كان يقتل اللاجئ لأتفه سبب. وهكذا قُتل شباب كثيرون، ومنهم شاب قتل أمامي، كان ملثم الوجه بسبب رياح الصحراء المحملة بالرمل الحارق، وطلب منه أحد ضباط المخيم أن يرفع لثامه بلغة آمرة”اِرفع لثامك يا كلب”! فرد عليه الشاب، “أنت الكلب”، فسارع الضابط ومن معه إلى إطلاق النار عليه.
خلال أربع سنوات لم أغادر حاجز الأسلاك الشائكة، كنّا أسرى يأتون لنا بالطعام والماء دون أن يتاح لنا الخروج والعمل أو الذهاب إلى أي مكان ولكن بحكم الحاجة نجحنا في بناء ما يشبه الأكواخ الطينية، جدران من الطين المفخور، تسقفها الخيام، هكذا عشنا . كنا نسميه معتقل رفحة لأننا لم نغادره، وكان في المخيم مركز طبي، وفتحوا مدارس في المخيم، يدرس ويدرّس فيها اللاجئون بأنفسهم. كان عددنا 100 ألف “سجين”.
شاحنات الموت
وكنا مخترقين من قبل عناصر المخابرات العراقية، التي كانت تتوغل في المخيم بعناصر متخفية، وتنفذ عمليات اغتيال أو خطف مدبّرة بالاتفاق مع السلطات السعودية المسؤولة عن حماية المخيم. وكتبت عن ذلك كتيبا أسميته “شاحنات الموت” فقد كان زوار الفجر يطلون على السجناء ليلا، ويخطفون عشرات منهم لينتهوا في المقابر الجماعية على الحدود السعودية في العراق.
بعد سنتين من شاحنات الموت، وسوء معاملات السجان السعودي الوحشية، وقعت انتفاضة كبرى في المخيم، وبسببها تدخلت الأمم المتحدة، وفتحت لها مكتبا في المخيم، ثم جرى تنظيم وترتيب الأمور، وقدم ممثلو دول أوروبية وغربية متعددة، وأخذوا مجاميع من اللاجئين لبلدانهم، ونتيجة هذا نجحت في مغادرة المخيم إلى بلدي الآمن الذي أعيش فيه الآن هولندا، أوروبا هي التي أنقذتني من جحيم الوهابية السعودية. من أجرى المقابلة التي أنقذتني هولندي يهودي، أجرى لي لقاء وأوصى بنقلي الى هولندا. وقد خرجت برفقة 119 عراقيا، مخفورا ويرافقني سجانو المخيم المسلحون، ونُقلنا بالحافلات، وصولا إلى طائرة كي إل إم. ولم يختفِ الحارس عن المشهد إلا حين أصبحنا داخل الطائرة الهولندية.
طيلة أعوام الاعتقال، لم يزرنا أي مسؤول سعودي، هم اعتبرونا سجناء وتركونا نتعفن في الصحراء المحرقة طيلة سنوات. أذكر أن الأمير سلطان بن نايف – لست متأكدا من اسمه- سأله أحد الاعلاميين عن مصير اللاجئين العراقيين بعد سنوات من مكوثهم في رفحة، فقال عبارته الشهيرة “اللي يبيهم ياخذهم” بمعنى أن بلاده لا تريدنا.
خلال هذه الأعوام الطويلة، تزوج كثيرون، كما ولد كثيرون في “مخيم الاعتقال”  السعودي رفحة، وأعتقد أن شهادات ولادتهم اليوم تشير إلى هذه الحقيقة (مسقط الرأس مخيم اللاجئين العراقيين في رفحة). ومن توفوا دفنوا في مقبرة رفحة القريبة من المخيم.

ملهم الملائكة – ربيع 2016
موقع قنطرة  ar.qantara.de